التألق المغربي في "المونديال" يوقظ مطالب بإحداث أكاديميات جهوية لكرة القدم

بصم الفريق الوطني المغربي لكرة القدم بأحرف من ذهب في كأس العالم “قطر 2022″، بعد التألق الكبير الذي أبان عنه “أسود الأطلس”، والذين أدهش العالم أجمع أداؤهم المتميز، متحدين الصعاب بعد أن تغلبوا على فرق من العيار الثقيل مثل إسبانيا والبرتغال، وبلوغ الدور نصف النهائي.

وعلى إثر هذا الإنجاز التاريخي، اتجهت الأنظار إلى أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، بفضل مشاركة ثلاثة لاعبين ضمن التشكيلة الرئيسية لـ”أسود الأطلس”، وهم: وسط الميدان عز الدين أوناحي، والمدافع نايف أكرد، والمهاجم يوسف النصيري، بالإضافة إلى الحارس أحمد رضا التكناوتي. وأصبح عدد من الآباء يرغبون في تسجيل أبنائهم في الأكاديمية، ما يطرح علامات استفهام؛ من قبيل: إلى أي حد يمكن الحديث حاجة المغرب إلى أكاديميات جهوية بدل مركزتها بسلا؟ وبأي معنى يمكن القول بأن المناطق النائية التي تضم أكعابا عالية تحرم من فرصة اكتشافها؟ وما القيمة المضافة لإحداث مؤسسات جهوية تعنى بكرة القدم؟ وهل نضجت ظروف تعميم هذه المركبات الرياضية؟

إقبال كبير

خلقت إنجازات المنتخب الوطني المغربي وعيا جديدا بأهمية كرة القدم كصناعة؛ وهو ما شكل انقلابا على مستوى تمثلات الآباء والأمهات، الذين كانوا يحرصون على توجيه أبنائهم بعيدا عن المستديرة لأنها مضيعة للوقت، إذ أضحت ملاعب القرب بمدينة مراكش وجهة للأولياء الأمور لتسجيل فلذات أكبادهم بالجمعيات الرياضية والمدارس الكروية، ما سيشكل مشتلا نافعا للأطفال والشبان لاختيار نجوم هذه اللعبة الشعبية في المستقبل، وواقيا لهم من السقوط في براثن الانحراف.

وتساءل عدد من أولياء الأمور، في تصريحات متطابقة لMoroccoLatestNews، عن كيفية التسجيل في أكاديمية محمد السادس بسلا، ولماذا لا يتم الشروع في إحداث فروع لها بجهات المملكة، لاكتشاف المواهب تماشيا مع رؤية الملك محمد السادس في الرسالة التي وجهها إلى المؤتمرين في المناظرة الوطنية بمدينة الصخيرات في 2008، والتي أراد من خلالها أن تكون الأكاديمية نموذجا يقتضى به ويتبع من طرف الأندية الوطنية، وكذلك الجمعيات الرياضية.

التعميم ضرورة

عبد المجيد لمريس، لاعب دولي سابق بالمنتخب الوطني، أوضح أن “الأكاديميات بالجهات أضحت ضرورة، لأن المناطق النائية محرومة من فرصة التنقيب عن أطفال وشبان يملكون مهارات كروية، لأنهم لا يجدون فرصة للتعبير عن قدراتهم”.

وأضاف: “ينبغي تعميم التجربة على كل المناطق الجنوبية والشرقية والشمالية، من أجل اكتشاف والتنقيب عن المواهب وتطويرها داخل هذه المراكز، قبل إخضاعها لاختبارات سنوية بأكاديمية سلا من أجل تزويد الفرق الوطنية والمنتخب الوطني لكرة القدم بسلا بلاعبين جدد من ذوي المستوى العالي”.

وأكد اللاعب ذاته، الذي كانت بدايته مع فريق نادي مولودية مراكش في لقاء مع MoroccoLatestNews، أنه “المطلوب كذلك إحداث أكاديميات الأندية الوطنية، كالتي تم افتتاحها ببوسكورة لفائدة نادي الرجاء البيضاوي، ومركز تكوين نهضة بركان، وأكاديمية الجيش الملكي، لتشتغل في تناغم مع الأكاديميات الجهوية، من أجل تطوير موهبة اللاعبين وصقلها؛ ما سيعود بالنفع على البطولة الوطنية وتطعيم الفريق الوطني، لأن هذه المراكز تتوفر على شروط تكوين لاعب بمعايير دولية”، مشيرا إلى “أن بطولة العصبة لأقل من 15 سنة يجب أن يرفع عدد مبارياتها من 10 حاليا إلى 30 مقابلة على الأقل”.

ومن أجل أن تؤدي العصب دورها لتعزف على وتر الجودة في إعداد المدربين، أورد لمريس، الذي حمل قميص نادي الجيش الملكي، في تصريحه: “يجب هي الأخرى أن تتوفر على فضاء يضم الملاعب وعيادة الطبية والإقامة والمبيت والتغذية، لا أن تكتفي بالعمل الإداري؛ لأن وضعها الحالي لا يسر الناظرين، لأنها تسعى إلى طلب ملاعب للمرشحين للتدريب ما تترتب عنه مشاكل عديدة تعرقل مخططها”، مضيفا: “يجب إشراك اللاعبين السابقين في تدريب الفئات والتنقيب، بتنسيق مع أطر معهد مولاي رشيد”.

الاحتراف مهمة رسمية

محمد الغالي، مدير المركز الجامعي بقلعة السراغنة، أرجع، من جهته، “غياب مؤسسات تعنى بشكل مباشر بالجانب الرياضي، خاصة كرة القدم كرياضة شعبية بالمملكة المغربية، إلى عدم وجود تخطيط استراتيجي؛ لأن النتائج التي تحققت في السابق والحالية تمت من خلال عمل خاصيته الهواية على مستوى تدبير الأندية الوطنية التي تسيرها جمعيات تحاول أن تخلق اعتقادا أن المملكة المغربية تتوفر على فرق دخلت مجال الاحترافية؛ غير أن الواقع يكذب ذلك”.

وتابع أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة القاضي عياض بمراكش، في تصريح لMoroccoLatestNews، قائلا: “الفرق الوطنية ما زالت تعتمد في مصادر تمويلها على دعم الدولة؛ لكن نتائج المنتخب الوطني بالتظاهرة العالمية التي نظمت بقطر سلطت الضوء على أهمية الاحتراف الذي جاءت أكاديمية محمد السادس لتحققه، فمجموعة من اللاعبين بالفريق الوطني تلقوا تكوينهم بها، من قبيل عز الدين أوناحي لاعب وسط الميدان بنادي أنجيه الفرنسي والذي يعد ثمرة تكوين مغربي خالص، إذ انضم إلى أكاديمية محمد السادس لكرة القدم سنة 2015، وتلقى فيها التدريب حتى عام 2018 تاريخ انتقاله للاحتراف في نادي ستراسبورغ الفرنسي، ومنه إلى نادي يو إس أفرانش سنة 2020، ليوقع العام الجاري مع نادي أنجيه”.

وحسب المتحدث نفسه، فإن “النتائج التي تحققت أعطت علامة تجارية مهمة للمغرب، وتحتاج إلى تأسيس مؤسسات جهوية تعنى بكرة القدم التي أصبحت صناعة تجذب رساميل ضخمة وقطاعا مربحا؛ لأن اللاعبين أضحت تصل قيمتهم المالية إلى مليارات وملايين الدراهم، وهذا رقم معاملات لا تحققه حتى الشركات الاقتصادية. لذا، فالدرس الذي يستقى من النتائج التي حققها الفريق الوطني بكأس العالم قطر 2022 هو أنه لا بد أن يكون العمل قاعديا تقوم به مؤسسات رسمية قادرة على توفير الإمكانيات المادية والبشرية. أما الجمعيات فيمكنها أن تلعب دور الشريك، لكن الدعم الأساسي والمواكبة من مهام المؤسسات العمومية، لأن التجربة أثبتت أن قطاع الشباب والرياضة لم يستطع إخراج كرة القدم المغربية من طور الهواية إلى طور الاحتراف”، وفق تعبيره.

التحدي والمساواة

محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام والمحامي بمراكش، أكد، في تصريح لMoroccoLatestNews، أن “السياسات العمومية لا بد لها أن تأخذ بعين الاعتبار كل هذه التحولات التي كانت وراءها مشاركة الفريق الوطني لكرة القدم بكأس العالم بقطر، وما تحقق من إنجازات لم يعد يسمح بالنزول عن سقفها؛ وهو ما يجب أن يتجلى في القرارات العمومية والسياسية التي يجب عليها من الزاوية الحقوقية أن تعمل على إنجاز بنيات رياضية بكل جهات المغرب تتوفر على كل المواصفات الدولية لاستقبال الكفاءات الكروية وإدماجها ورفع جاهزيتها للمشاركة في التظاهرات والمنافسات التي تنتظرنا على المستويين العالمي والإفريقي”.

وضرب الغلوسي مثالا للعشوائية التي سادت تسيير الأندية الوطنية ومسار مشاركتها في بطولة الاحتراف، حيث يتحول فريق له تاريخ وحقق حضورا قاريا ووطنيا بين عشية وضحاها إلى فريق يلعب في قسم الهواة؛ من قبيل فارس النخيل الذي يعاني الويلات ويعيش على التبرعات، موردا: “كفى من تدبير مجال كرة القدم بطريقة عبثية وبالولاءات”، ودعا “إلى اعتماد منطق مؤسساتي ينفتح على كل الكفاءات والخبرات والطاقات الواعدة”، وطالب الحكومة والجهات المسؤولة عن قطاع الرياضة بأن تكون على وعي تام بأن مراكش في حاجة ماسة إلى هذه الأكاديمية، كما باقي الجهات؛ لأن التعامل مع هذه المراكز والمدارس لا بد أن يستحضر تكافؤ الفرص والمساواة بين أبناء الوطن، لا أن تحتكر الرباط لوحدها هذه الأكاديمية المتخصصة في تخريج أكعاب عالية، في وقت يواجه فيه بعضها الإقصاء في الهامش”.

وزارة تتحرك

وبسبب هذا الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني المغربي في كأس العالم قطر 2022 والمستوى العالي الذي أبان عنه مجموعة من اللاعبين، أصدرت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة مذكرة وجهت إلى المديرين الجهويين تحثهم على إحداث “قسم الرياضة” ضمن التنظيم الهيكلي لكل أكاديمية جهوية، يتولى تأهيل الرياضة المدرسية من جهة، وتطوير الرياضة للجميع والارتقاء برياضة المستوى العالي. كما طالبت هذه المذكرة بإنشاء مصلحتين تابعتين لهذا القسم وهما: مصلحة الرياضة المدرسية التي يناط بها ما يلي: دعم وتشجيع ممارسة الرياضة المدرسية والتربية البدنية بمختلف المستويات الدراسية، والمساهمة في الارتقاء بالنخبة الرياضية المدرسية، والإشراف على تنظيم المنافسات والدوريات في هذا المجال، والعمل على الارتقاء بمشروع مسارات ومسالك “رياضة ودراسة”، والمراكز الرياضية للتعليم الابتدائي، وإعادة قاعدة معطيات خاصة بالرياضيين المدرسيين وتتبعها.

أما مصلحة الرياضة المدنية والمستوى العالي، فستعنى بالإشراف على إعداد وتنفيذ مخطط عمل جهوي بهدف النهوض بمجال الرياضة، والمساهمة في تنظيم المنافسات الرياضية، والمساهمة في النهوض بأنشطة رياضة المستوى العالي، وتنسيق أنشطة الرياضة وبرامج التكوين والتأطير الرياضي بشراكة مع مختلف الفاعلين في المجال الرياضي على المستوى الترابي، وتتبع جميع الأنشطة المتعلقة بالرياضة التي تضطلع بها المراكز السوسيو- رياضية والقاعات والفضاءات”.

وكان الملك محمد السادس أشرف، في مارس من سنة 2010، على تدشين أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، بهدف المساهمة في انتقاء وتكوين ممارسين لرياضة كرة القدم من مستوى عال، من خلال وضع نظام تربوي يجمع بين الرياضة والدراسة، وجرى بناؤها وتجهيزها وفق معايير تجعلها تضاهي مراكز التكوين المهنية الأوروبية ذات الصيت العالمي؛ وذلك بغية الاهتمام بالشباب المغربي ومنحه الظروف الملائمة لتلقي تكوين رياضي علمي يخول له الممارسة في أكبر الأندية الكروية بالمغرب وأوروبا على حد سواء.

أحدث أقدم