المؤرخ حبيدة يقتفي أثر قلْب المنتخب المغربي لموازين النظام الكروي العالمي

سلط المؤرخ محمد حبيدة، في مقال له، الضوء على ما أسماه “موكب المونديال”، وكيف أطلق الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” أول منافسة عالمية في اللعبة ذاتها سنة 1930، وكيف اقتصر التنافس على بلدان أوروبا ثم شمل دول أمريكا، قبل أن تتحول المنافسات إلى موكب من أمم العالم.

وأكد حبيدة أن “ما حققه المنتخب المغربي بقيادة المدرب وليد الركراكي بالوصول إلى المربع الذهبي مؤشر على التشكيل الجديد الذي جعل بلدا كرويا ناشئا مثل المغرب يقلب موازين النظام الكروي العالمي بالإطاحة بمدارس كروية كبيرة، مثل بلجيكا وإسبانيا والبرتغال”.

هذا نص المقال:

لما أحيَت أوروبا، عام 1896، الألعاب الأولمبية بأثينا، بمبادرة من البارون بيار دو كوبيرتان، ونظم الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” أول منافسة عالمية في كرة القدم عام 1930 بالأوروغواي بواسطة جول ريميه، كانت الغاية هي وضع الأمم على محك المنافسة، في وقت كانت فيه الرياضة والسياحة قد صارتا واجهتين من واجهات التعبير عن مقولة “التقدم” التي ابتكرها عصر الأنوار.

في البداية، اقتصر التنافس على بلدان أوروبا ثم شمل دول أمريكا؛ لكن مع انتشار البنيات الحديثة في المعمورة، خلال القرن العشرين، تحولت المنافسات إلى موكب من أمم العالم، احتلت فيه الدول الغربية المقدمة، تعبيرا عن “تفوقها”، سواء على مستوى التنظيم أو على مستوى الفوز بالميداليات والكؤوس.

وثمة دول تنتمي إلى دول العالم الثالث فطنت، منذ البداية، إلى أهمية هذه المنافسات، وراهنت على الرياضة حتى جعلت منها عنصرا أساسيا من عناصر هويتها القومية. البرازيل، مثلا، قبل أن تلج، في المدة الأخيرة، نادي البلدان الصاعدة في خريطة العالم الجيوسياسية صنعت اسمها في المنتظم الأممي بفضل كرة القدم؛ فقد أدهشت مهارات اللاعبين البرازيليين، من أمثال غارينشا وبيليه وجاييرزينيو، الإعلام وأوساط الرياضة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حتى التصق اسم البرازيل بكرة القدم، وبهذه الأسماء التي حصدت ثلاثة ألقاب عالمية في ظرف وجيز ما بين 1958 و1970.

اليوم، وفي المدة الأخيرة عموما، مع التحولات الحاصلة في المحيط الدولي وبروز دول صاعدة دخلت حلبة التنافس الاقتصادي وحتى الرياضي تنظيما وأداء، ومع رهان بعض البلدان على ما يسميه جوزيف ناي بـ”القوة الناعمة”، ومع العولمة التي باتت تخلط الأوراق على جميع الأصعدة، كما ظهر في مونديال قطر (لاعب سويسري من أصول كاميرونية يسجل في مرمى الكاميرون، وابن رئيس دولة إفريقية يلعب لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وحكم أمريكي من أصول مغربية، ونماذج أخرى كثيرة)، صار العالم يتغير، ويتبلور من جديد. وستتأكد في المستقبل القريب، لا محالة، تشكيلات جديدة من شأنها أن ترتب الأوراق بطريقة غير مسبوقة.

ما حققه المنتخب المغربي، بقيادة المدرب وليد الركراكي، بالوصول إلى المربع الذهبي رفقة فرق فرنسا والأرجنتين وكرواتيا مؤشر على هذا التشكيل الجديد الذي جعل بلدا كرويا ناشئا مثل المغرب يقلب موازين النظام الكروي العالمي بالإطاحة بمدارس كروية كبيرة، مثل بلجيكا وإسبانيا والبرتغال. وفي هذا التشكيل اختراق كبير، محليا ودوليا.

لقد تضافرت عوامل كثيرة في تحقيق هذه النتيجة؛ من العمل القاعدي على مستوى ما تشتغل عليه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى التنقيب عن المواهب الممارسة في الأندية الأوروبية، مرورا بالإمكانيات الهائلة الموضوعة رهن إشارة المنتخب؛ لكن ما يثير الانتباه هو ما أبان عنه المدرب المحلي من كفاءة وحنكة في تدبير مجموعته بفضل درايته بخبايا التدريب وخطط الميدان، ووعيه بأن كرة القدم لا ينتصر فيها دائما الفريق الأفضل، وإنما الفريق الذي يمتلك رغبة أكثر في الفوز. وما يثير الانتباه كذلك هو هذا التواصل المهيأ والمفكر فيه مع الصحافة والجمهور، والإتقان لفن التواصل هذا بلغة الخاصة ولغة العامة على السواء.

في اللغة الموجهة إلى أهل الدراية ممن يتواصلون بلغة موليير يبدو الرجل عقلانيا متنبها إلى كل كبيرة وصغيرة. وفي اللغة الموجهة إلى عموم الناس، كان ذكيا في استمالة الجميع باستثمار ما يدغدغ المشاعر. في مواقع التواصل الاجتماعي، كما في حديث الناس في البيوت والمقاهي وأماكن أخرى عمومية وخصوصية، راجت الكلمات التي استعملها على نحو كبير، وخاصة “النية” و”رضا الوالدين”، والتي امتزجت بحماس بدت معالمه متجلية في وجوه المغاربة المناصرين في الملعب والمقاهي والبيوت والشوارع.

المنطق لا يعترف لا بهذه الكلمة ولا بتلك. هذا أمر معروف؛ لكن المشتغل في ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية يدرك جيدا إلى أي حد يسري مفعول هذه الكلمات النابعة من الثقافة الشعبية في النفوس أكثر مما تسري المفاهيم في العقول. يذكر كل ذلك بمقولة “الظاهرة الاجتماعية الكلية” التي كان قد نحتها مارسيل موس للدلالة على قدرة ظاهرة اجتماعية معينة على تحريك الناس وإثارة مشاعرهم على نحو جماعي شامل. في لقاء ثقافي جرى مؤخرا بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة حول كتاب المؤرخ عبد الأحد السبتي “من عام الفيل إلى عام الماريكان” غلب على هامشه الحديث عن المونديال وما ارتبط به من أقوال، مثل “ديروا النية” إلى درجة نبعت معها عبارة “عام النية” التي قد تلتصق بعام مونديال قطر هذا.

كلمات مثل هذه فعلت فعلها في نفوس الناس، وفي نفوس اللاعبين بالخصوص، فبثت ذبذبات الطاقة الإيجابية، بلغة علماء النفس، وصنعت أفراحا وغذت أحلاما، حتى أن الناس أقبلوا على مقابلة المغرب-فرنسا وهم واثقون من النصر، وحزنوا على عدم التأهل إلى النهائي.

ووظف المتتبعون ورواد مواقع التواصل الاجتماعي التاريخَ، وهم يعلقون على مباريات المغرب ضد إسبانيا والبرتغال وفرنسا، توظيفا هائلا باستحضار الأندلس ومعارك بلاط الشهداء والزلاقة ووادي المخازن وإيسلي، وغيرها من الصراعات التي حصلت في الماضي بين ضفتي الحوض المتوسط. كان المؤرخ بيار نورا قد أوضح، في مؤلفه الضخم “أماكن الذاكرة”، ارتباط تحيين الذاكرة، التاريخية أو الجماعية، بالحدث، حيث تعمل الإشارات المدونة في النصوص أو البقايا المترسبة في الأذهان على إحياء الماضي واستعماله باعتباره أداة لتفسير الحاضر أو تبريره.

في الكرة، بروح رياضية بطبيعة الحال، يستعمل المدربون واللاعبون والإعلاميون المصطلحات نفسها المتداولة في ساحة الوغى، من تكتيك وقتالية وإيقاع بالخصم، ليثأر اللاعبون أحيانا على المستطيل الأخضر لما يستعصي على السياسيين والعسكريين في ميدان القتال، كما حصل مثلا عام 1986 لما نازلت الأرجنتين إنجلترا وفازت عليها في ربع النهاية بهدفين لواحد، على خلفية حرب المالوين التي كانت قد عززت هيمنة بريطانيا على الجزر التي تحمل الاسم نفسه، والمحاذية للأرض التي أنجبت مارادونا جنوب المحيط الأطلسي.

وإذا كان من المستحيل تغيير الماضي فإن الحاضر والمستقبل يظلان مفتوحين على صناعة التحول. ولا سر في ذلك سوى إفساح المجال للكفاءات، التي توجد حتما في كل الميادين. هذا هو الدرس الرئيسي الذي ينبغي استخلاصه من مغامرة قطر. ثمة ركراكيون كثر. يكفي تحكيم المقولة الإنجليزية “الرجل المناسب في المكان المناسب” لتفجير الطاقات والخلق والإبداع، دفعا بالأمور إلى الأمام.

أحدث أقدم